محمد أبو زهرة
1286
زهرة التفاسير
بين اللّه سبحانه وتعالى في الآيات السابقة كذب اليهود والنصارى الذين عاصروا النبي صلى اللّه عليه وسلم والذين سبقوه ، ومن جاء بعد هؤلاء وأولئك ؛ كيف كانوا يكذبون في الوقائع البدهية ، فيدّعون أن إبراهيم أبا الأنبياء كان يهوديا أو نصرانيا وكيف كان اليهود وغيرهم يدعون أن هداية اللّه حكر احتكروه ، وهي في حرزهم لا تخرج عنهم إلى غيرهم ، وقد اندفعوا إلى النفاق بإظهار الإيمان وإبطال الكفر ، ثم اندفعوا إلى خيانة الأمانات المادية ، وأكل أموال الناس باسم أنهم الصنف الممتاز في هذه الأرض الذي يباح له كل شئ . وفي هذه الآيات التي نتكلم الآن في معانيها السامية قد أعظموا في البطلان كما يحكى رب العالمين ، فكذبوا على اللّه تعالى ، وهذا الكذب هو أصل الداء ، وأبعد غايات الافتراء ، كذبوا على اللّه فحرفوا الكتاب ، وقرءوا أهواءهم على أنها من عند اللّه ، وما هي من عند اللّه ، وعلى أنها من الكتاب وما هي من الكتاب ولذا قال تعالى : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ هذا من عدل القرآن الكريم في حكمه على الطوائف والجماعة ، لا يعمّم الحكم على الجماعة كلها ، ولكن يخص بالذكر الذين ارتكبوا ابتداء كبر الشر ، وإن عم ضلالهم من بعد الطائفة كلها ، ولهذا نسب التحريف ابتداء إلى طائفة منهم ، وإن كان الضلال شاملا . ولىّ اللسان معناه ، فتله عند النطق لتوجيه الكلام نحو معنى لا يقصد من ظاهر اللفظ ؛ وهذا يشمل معاني كثيرة ؛ فيشمل إخفاء بعض الحروف عند النطق بكلمة ، فيتغير المعنى ؛ كمن يقول : ( السلام عليكم ) فيخفى ( اللام ) فتصير الكلمة « السام عليكم » ويكون المعنى مناقضا للمعنى الأصلي ، إذ السلام هو : الأمن ، والسام هو : الموت ، والأول دعاء له ، والثاني دعاء عليه ؛ ومن اللّى ، أن يغير لفظا بلفظ آخر ، ويومئ اللفظ الثاني إلى معنى غير المقصود من الأول ، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن بعض أهل الكتاب : مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ